من أنا؟


تمر عليك لحظات في الحياة تشعر أنها تُوقف الزمن وتجعلك تتأمل أدق التفاصيل في نفسك .. لتكتشف شيئاً موجوداً من الأزل ولكنك لم تلقي له بالاً ..

في لحظة من هذه اللحظات الجوهرية سألت نفسي : بعد كل هذه الأعوام من العمر ما أنا؟ ومما أكون؟

تأملت مظهري و معتقداتي وأسلوبي و طريقة تفكيري ومشاعري وكل ما عليه أنا الآن ..

ووجدت أني خليط متناقض المكونات من الأعوام التي مرت ممزوجة بالناس الذين عرفتهم والأماكن التي لبثت فيها ..

وجدت أني عبارة عن متغيرات اجتمعت وكونت هذا الإنسان ..

تخيل معي طفلاً عاش في عزلة عن العالم ،حيث كل ما يمر به هو الفرح والناس الطيبون وكل مكان يعيش به هو مثالي ولا ينقصه شيء .. في رأيي أن هذا الطفل سيكبر ناقصاً .. لن يتعلم شيئاً فكل ما سيمر به متوقع .. وكل شيءٍ عنده مضمون غير قابل للتغيير ..

ما نحن إن لم نتقلب بين فيْنة وأخرى بين الحزن والفرح! إن لم نتغير من يوم لآخر! إن لم نستمتع بحلاوة الضحك ونرتاح بملوحة البكاء ! إن لم يبهجنا النجاح ويعلمنا الفشل ! إن لم نترقب المستقبل بحماس وحذر لأننا لا نعلم ماهية ماقد يأتي!

لأن هذا هو حقاً ما تتمركز حوله إنسانيتنا: التغيير والتجارب المختلفة ..

فهي ما يصنع أرواحنا ويكون شخصياتنا ..

هي باختصار طعم الحياة ..

إن تأملت نفسك ..

ستجد أننا عبارة عن الأيام السعيدة والحزينة التي عشناها ، والأماكن الجميلة التي أحببناها والأماكن السيئة التي لن نعود لها مجدداً، ستجد أننا عبارة عن الأشخاص الذين أحببناهم وأسكنّاهم قلوبنا وكذلك الأشخاص الذين مرّوا بحياتنا وآذونا..

حين كنت أصغر عمراً كنت مهووسة بفكرة الحياة الخالية من المشاكل والحزن مما جعلني آنذاك بائسة أغلب الوقت ، حيث لم أكن أعلم حينها أن حياتي الغير مثالية هي مثالية كما كانت ..

لقد علمتني الحياة أن أقدّر أصغر التفاصيل التي أمر بها فالحياة كأحجية التركيب لا تكتمل إلا إن وضعت كل قطعة باختلاف شكلها جنباً إلى جنب .. حين فهمت كل هذا تغيرت نظرتي تماماً ..

الآن أنا ممتنة لكل يوم أعيشه ولكل مكان أذهب إليه ولكل شخص أعرفه .. لأن مريم هي نتيجة حدوثهم وهي التي حقيقةً تكوّنني ..

لا أستطيع تخيل ما أنا عليه اليوم بدون ذلك الصديق الذي كان دوماً بجانبي أو تلك الدولة الجميلة التي سافرت إليها أو تلك الرواية الرائعة التي قرأتها أو بدون يوم تخرجي ، أو بدون تلك الأغنية التي أحببتها أو بدون كل تلك النجاحات المستمرة التي مررت بها ..

في نفس الوقت لا أستطيع أيضا أن أتخيل ما أنا عليه اليوم بلا ذلك الإنسان الذي كنت أعده صديقاً وآذاني أو ذلك الفندق السيء الذي مكثت فيه أو ذلك الكتاب الممل الذي قرأته أو بلا ذلك اليوم الذي سمعت فيه خبر وفاة جدتي أو بلا ذلك الفيلم الذي لم يعجبني أو بدون كل أخطائي التي اقترفتها ..

فكل ما مررت به هو أنا باختصار ..

ولا أملك إلا أن أكون فخورةً بي ..

About maryambantan

خريجة لغويات تطبيقية .. عاطلة حاليا .. أعشق الكتابة وأؤمن بأنها لربما تكون منفذاً أو مأخذاً View all posts by maryambantan

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: