عودة إلى جامعتي في المستقبل


 

عائدة من الغربة بعد أخذ درجة الأستاذية ، باحثة عن دفء الديار ، منقبة عن بعض الذكريات ..

أناهز الأربعين من عمري الآن .. وقد حلت بي علامات هذا العمر بتفاصيلها ..

ملامحٌ أربعينية أكسبتني وقاراً قضى على جنون الشباب .. و هدوءاً أحسب أن سببه ثقل الماضي على كاهلي ..

هناك حيث نشأت وكبرت ..

هناك حيث بيت العائلة القديم ..

هناك حيث قضيت حياتي الجامعية ..

هناك أخذتني تلك القاطرة الكهربائية من جدة إلى ينبع – متنفس الصبا ..

لم أستطع تمالك ذلك الحماس بداخلي وكأنما روح العشرين بدأت تدب بي من جديد ..

تلقائياً وجدتني أقود سيارتي التي استأجرتها إلى  مبنى كليتي الجديد متتبعةً إرشادات الجهاز الناطق بها ..

وفي تلك الدقائق البسيطة التي كانت تفصلني عن المبنى .. عادت بي الذكريات سريعاُ إلى ذلك المبني الصغير

ذو القاعات الصغيرة بإمكانياتها المتواضعة وتخصصات لم تتعدَ الأصابع لكلية كانت تناهز عمر السبع سنوات تقريباّ حينها ..

عقود مضت ، ناطحات السحاب من حولي ومحطات القطارات تكاد تراها في كل شارع ، وأجواء مكتظة بالخليقة ..

يبدو أني لست الوحيدة التي كبرت .. تلك الهيئة التي امتازت بالهدوء وصغر مساحتها قد كبرت وزاد ضجيجها ..

وفي غمرة أخذتني بين الحاضر والماضي ..

قاطع أفكاري صوت الجهاز : الكلية الجامعية على بعد …. متراً

أطلقت لبصري العنان من وراء تلك النظارة السميكة ..هاهو المبني يلوح من بعيد أو لأكون دقيقة أكثر : هاهي مباني الكلية الجامعية تلوح من بعيد ..

وصلت لتلك المدينة الصغيرة إن صح التعبير ..

ترجلت من سيارتي بعد إيقافها في المواقف المخصصة للسيارات في الجامعة ..

توجهت للبوابة الرئيسية في المبنى الرئيسي  حيث فتحت تلك البوابة أوتوماتيكياً بمجرد وقوفي .. دخلت فاستوقفتني عاملة الأمن .. تلقائياً توقعتها تريد تفتيش جوالاتي كما عهدت ذلك سابقا..

لكني تذكرت أن هذه العادة انقرضت منذ سنين .. فأخفيت ضحكةً داهمتني و أخبرتها أني طالبة سابقة وأريد أن أتجول في أروقة الجامعة قليلاً .. رحبت بي وتمنت لي أن أستمتع بجولتي على عكس ما توقعت ..

اتخذت خطوتي الاولى إلى جامعتي إن كان يحق لي أن أطلق عليها جامعتي حيث كل ما قد أتذكره في ذلك الزمن لم يعد كما هو بتاتاّ .. قابلتني لوحة كبيرة مضيئة عليها خارطة هذه المدينة الجامعية الصغيرة أسفلها مجسمات المباني تلك داخل صندوق زجاجي براق ..

وقفت أواري دهشتي وأنا أنقل عيني من مبنى إلى مبني وأنا أحدث نفسي :

كم كبرت يا جامعتي !! كل تلك السنون التي مرت لم تترك آثارها فقط عى وجهي وإنما عليكِ أيضاً ..

لملمت بقايا اندهاشي وأخذت الدليل الإرشادي الموجود للزوار وأكملت مسيرتي في ذلك المبنى وأنا أعلم أني لن أستطيع أن أتجول بين كل تلك المباني .. فسويعات لن تكفيني أبداّ ..

ففقررت : سأتجول هنا قليلاً .. ثم ألقي الوداع ..

وكما يقول الدليل الإرشادي أن هذا المبنى يحوي أكبر قاعات الكلية الجامعية حيث تحوي مكاناَ لأكثر من خمسمائة طالب .. يا للعجب!!

أيام الجاهلية ولت حين كنا نعد قسم الإم آي اس  مدينةً مكتظة بالسكان وعدد طالباته لم يتجاوز المئتين!!

وكيف كان طالباته في جدالات دائمة لتوسيع الشعب، ولو أنهم رأوا ما أرى أنا الآن لماتوا من الغيظ – ضحكة خفية

أسرعت بالخطى بكل حماسة لتلك القاعة في تلك الممرات التي ازدحمت بالطالبات ..

ركبت تلك الحجرة الزجاجية والتي أخذتني مباشرة لتلك القاعة..

ملاحظة :

تلك الحجرة تشبه ما كنا نطلق عليه مصعداً كهربائياً في بداية الألفية الثانية ولكن باختلاف بسيط أنها لا تتحرك فقط في مسار عمودي بل أفقي أيضاً ..

 

وقفت أمام باب القاعة على اعتقاد أنه سيُفتح بمجرد وقوفي لكنه لم يُفتح ..

نظرت يمنة ويسرة وإذا بشابة تقترب مني وتسألني أتريدين الدخول فأجبتها بنعم ..

ولن تحزروا لما لم تفتح القاعة!!

أخبرتني الفتاة أن النظام المتبع هنا أن القاعات لا تفتح إلا بتمرير بطاقة الجامعة في الجهاز المخصص لذلك بجانب البوابة ،وأن ذلك الجهاز مبرمج لوقت معين فإن لم تأت الطالبة في ذلك الوقت فستحسب حسب الوقت الذي تأخرته إما غياباً أو تأخيراً ..

– أحمد الله أن هذا النظام لم يكن موجوداً على أيامنا وإلا فإننا قد وصلنا لدرجة الحرمان في كل المواد دون حتى أن ندرك ذلك..

دخلت مع تلك الفتاة إلى القاعة وذهلت من كل تلك المدرجات .. وما كانت هي إلا خمس دقائق إلا ومعظم تلك المدرجات تعج بالطالبات ..

فجأة! أُغلقت الأنوار وبرزت أضواء صغيرة من كل كرسي ..

ما كانت إلا ألواح الكترونية مخصصة لأخذ الملاحظات تشبه كثيراً جهاز الآيباد على أيامنا ..

ولم تكن تلك إلا مقدمة صغيرة للمفاجأة الكبرى حين رأيت رجلاً يمشي في أسفل تلك المدرجات قد بدأ يشرح على تلك الشاشة الكبيرة المعلقة وراءه والتي كانت أشبه بالسبورة الذكية ولكن أكبر حجماً ..

ولم أستوعب أن ذلك الرجل ماهو إلا صورة ثلاثية الأبعاد إلا بعد حين ..

انتهت المحاضرة .. خرجت ورأسي يمتلئ بالمقارنات ..

حقاً لا مجال للمقارنة ..

أيام عارض الشرائح الضوئي والحاسبات المحمولة ولت وانتهت .. إنه زمن آخر إنها حياة أخرى ..

وما كان يعتبر من التكنولوجيا الحديثة أصبح من الآثار على ما اعتقد ..

مشيت قليلاً …

وإذا بنافذة زجاجية أو بالأصح جدار زجاجي أمامي يطل على الخارج ..

اقتربت منه أكثر لأرى على ماذا يطل .. كان المسجد هو ما يواجه المبنى الرئيسي من تلك الناحية مباشرة ..

أما في الأسفل فكانت تلك الشوارع الصغيرة التي تفصل بين كل مبنى ومبنى كما التي رأيتها في ذلك المجسم .. المضحك في تلك الشوارع تلك المركبات الصغيرة الأشبه بالسيارات ولكنها تكفي فقط لراكبين والتي كانت تقطعها ذهاباً وإياباً ناقلةً الأستاذات بين المباني.. حيث أن الطالبات يتنقلن بالحافلات من جهة أخرى ..

شعرت أني رأيت الكثير رغم أني لم أر شيئاً ..

تبقى الكثير ولم يبق لي إلا الوقت القليل ..

فاستغللت الوقت بالذهاب إلى ذلك المكان الذي قرأت عنه في الدليل الإرشادي ..

كانت قاعة أشبه ما تكون بغرفة في الفضاء ..

شبه مظلمة .. فارغة ..

جدرانها تشع بأسماء خريجات عام 2029..

ماهي إلا لمسة على ذلك الجدار:

تريد عرض أسماء خريجات عام :

فكتبت 2012 وأنا أشعر بتلك الأعوام  تمر سريعاً أمام ناظري .. فرأيتني تلك الخريجة الصغيرة بزي التخرج التقليدي الأسود .. أطارد أحلامي وأقفز فرحاً لتخرجي ..

وماهي إلا لحظات حتى انسالت دمعة على خدي حين رأيت كل تلك الأسماء تحيط بي من كل مكان ..

و مخيلتي غدت مرتعاً لوجوه كثيرة .. ذكريات جميلة.. أحلام قديمة..

دقائق معدودة أمضيتها وغادرت ..

لم أغادر تلك القاعة فحسب بل غادرت جامعتي ..

ركبت السيارة والتقطت أنفاساً أخذتها جولتي القصيرة ..

ثم أخرجت من محفظتي تلك الورقة الصغيرة التي احتفظت بها حيث كتبت :

 

سأعود هنا حتماً يوماً من الأيام .. إن شاء الله

 

واقتضت المشيئة أن أعود ..

ويالها من عودة ..

 

حرر يوم 15- 4 – 2030

Image

About maryambantan

خريجة لغويات تطبيقية .. عاطلة حاليا .. أعشق الكتابة وأؤمن بأنها لربما تكون منفذاً أو مأخذاً View all posts by maryambantan

2 responses to “عودة إلى جامعتي في المستقبل

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: